عادوا إلى وطنهم... فصاروا غرباء في مدارسه
نشرت مجلة PLOS ONE العلمية الدولية، في 16 تشرين الأول الجاري، دراسة جديدة عن الصعوبات التي يواجهها الأطفال السوريون العائدون من تركيا في التأقلم مع المدارس السورية، بعد سنوات من الدراسة باللغة التركية.
الدراسة أعدّها أربعة باحثين في تركيا، وشملت 15 طالباً سورياً تتراوح أعمارهم بين 11 و14 عاماً، عادوا إلى سوريا خلال عامي 2024 و2025، وتلقّى الباحثون إجاباتهم عن سبعة أسئلة مفتوحة في كانون الثاني 2026.
رصدت الدراسة أربع مجموعات رئيسية من المشكلات:
أولاً - اللغة: يستطيع بعض الأطفال التحدث بالعربية في حياتهم اليومية، لكنهم يواجهون صعوبات كبيرة في فهم المصطلحات العلمية والرياضية، أو كتابة الإجابات والموضوعات الإنشائية بالعربية، بعدما اعتادوا التفكير والتعلم والكتابة بالتركية.
أحد الطلاب قال إنه يستطيع كتابة صفحة كاملة بالتركية، لكنه يعجز عن التعبير عن أفكاره بالسهولة نفسها بالعربية. وآخر تحدث عن صعوبة فهم مفاهيم رياضية يعرفها أصلاً، لمجرد أن أسماءها تغيرت.
ثانياً - اختلاف النظام التعليمي: تحدث الطلاب عن اختلاف المناهج وطرائق التدريس والامتحانات. ووصف بعضهم انتقالهم من مدارس تعتمد الأنشطة والتجارب والمشاركة إلى صفوف تعتمد على التلقين والنسخ عن السبورة، مع صعوبة في فهم طريقة التقييم والحصول على العلامات.
ثالثاً - الاندماج الاجتماعي: لم تكن العودة إلى بلدهم تعني بالضرورة العودة إلى بيئة مألوفة. تحدث بعض الأطفال عن العزلة، وصعوبة تكوين الصداقات، والخوف من التحدث أمام المدرسين، والشعور بأن زملاءهم ينظرون إليهم باعتبارهم مختلفين.
وأحد أكثر الجوانب إيلاماً في شهاداتهم فقدان الثقة بالنفس، فقد كان بعضهم متفوقاً في مدرسته التركية، لكنه أصبح يعاني من ضعف التحصيل في سوريا.
رابعاً - الضغوط النفسية والمعيشية: رصد الباحثون مشكلات في التركيز والشعور بالانتماء، وأعباءً منزلية واقتصادية يتحملها بعض الأطفال، وصولاً إلى العمل لمساعدة أسرهم، بما يؤثر في انتظامهم الدراسي.
من الضروري هنا الإشارة إلى أن الدراسة محدودة جداً من حيث حجم العينة وطريقة جمع البيانات. فنحن نتحدث عن 15 طفلاً فقط، أجابوا كتابةً عن أسئلة عبر الإنترنت، دون مقابلات معمقة أو تقييم مستقل لتحصيلهم الدراسي.
ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها على كل الأطفال السوريين العائدين. ولكن معظم المشكلات التي ترصدها الدراسة هي مشكلات متوقعة أساساً عند انتقال طفل بين بلدين ولغتين ونظامين تعليميين مختلفين.
أهمية الدراسة، برأيي، أنها تلفت الانتباه إلى قضية تستحق أبحاثاً أوسع وأكثر تمثيلاً، خصوصاً مع عودة أطفال سوريين أمضوا سنوات طويلة في بلدان اللجوء، وبعضهم ولد ونشأ فيها ولا يعرف من سوريا سوى ما سمعه من أهله. والمسألة هنا لا تخص القادمين من تركيا وحدها، وإنما تطرح أسئلة مماثلة بشأن العائدين من ألمانيا والسويد وفرنسا وغيرها.
وهل توجد لدى وزارة التربية السورية برامج خاصة لاستقبال هؤلاء الأطفال، وتقييم مستوياتهم الفعلية، ومساعدتهم على تجاوز الفجوات اللغوية والتعليمية؟ أم يُطلب منهم ببساطة الالتحاق بالصفوف العادية وفق مبدأ "عسكري دبر راسك"؟