"السكن والندرة والعمارة المقببة في سوريا في ثمانينيات القرن العشرين" ورقة بحثية محكمة نشرت البارحة، للمهندسين الباحثين إياس شاهين ووسام العسلي. وصدرت عن مجلة Architectural Histories، وهي المجلة الأكاديمية المفتوحة التابعة لـ European Architectural History Network – EAHN. وهي منصة بحثية محكّمة في تاريخ العمارة والبيئة.
على بعد 18 كيلومتراً غرب دمشق، تبرز "قرى الأسد" كواجهة خادعة للرفاهية العمرانية، بوابات مغلقة، مساحات خضراء، وفيلات فارهة، وفي قلب هذا المشهد، تقع منطقة "الشرقيات"، التي تخطف الأنظار بقبابها المهيبة وأقواسها التي تنعكس على مياه المسابح والنوافير. للوهلة الأولى، قد يظن الناقد المعماري أن هذا التصميم هو ترف استشراقي مقصود، لكن الحقيقة الكامنة خلف هذه "الواجهات" هي أنها ولدت من رحم التقشف لا الرفاهية، ومن أزمة موارد خانقة لا من رغبة في التجديد الجمالي.
في أواخر الثمانينيات، واجهت سوريا أزمة اقتصادية حادة نتيجة العقوبات الأمريـكية والنزاعات الإقليمية، مما جعل استيراد الفولاذ والخرسانة المسلحة عبئاً مالياً يفوق قدرة الدولة. هذا الواقع أجبر المهندسين في "مؤسسة الإسكان العسكري" على التخلي عن الأساليب النمطية والتوجه نحو "المنشآت التي تعتمد على الضغط فقط" (compression-only structures)، وتم استبدال الأسقف الخرسانية المسطحة بالقباب والأسقف المصلبة في محاولة تقنية للتحايل على غياب الحديد.
هذه القباب لم تكن تمثل استمراراً للتراث السوري السكني كما يُروج لها. فالمؤرخ المعماري يدرك جيداً أن البيوت السورية التقليدية اعتمدت تاريخياً على الأسقف الخشبية المسطحة، بينما اقتصرت القباب على المنشآت العامة كالمساجد والحمامات. هذا النمط كان في الواقع "اختراعاً" لتقليد لم يكن موجوداً في سكن السوريين، وذلك لحل مشكلة إنشائية بحتة.
تم "تصنيع" هذه الأصالة عبر ثلاث مواد أساسية: أنابيب التراكوتا (الفخار) التي استُخدمت لبناء قباب خفيفة الوزن بتكلفة أقل بنسبة 50% من الخرسانة. والحجر البركاني (البازلت) الذي وُظف في الجنوب السوري لتقليل استخدام الإسمنت إلى حدوده الدنيا، والقرميد المشوي الذي أُنتج محلياً بكميات صناعية ليكون بديلاً عن المواد المستوردة.
بدأ المشروع كخطة "للسكن الاقتصادي" بهدف توفير بيوت ميسرة لمهندسي وعمال مؤسسة الإسكان العسكري ومنع "هجرة الأدمغة". لكن، ومع اشتداد الحاجة للعملة الصعبة، تم الانقلاب على الغرض الاجتماعي للمشروع. حيث أعادت "مؤسسة الإسكان العسكري" تسويق هذه البيوت ذات القباب الشرقية تحت مسمى "فيلات على الطراز الأمريكي" لاستهداف المغتربين السوريين القادمين من الخليج والغرب. وهكذا تم بيع "القبة"، التي كانت رمزاً للتقشف، بوصفها "ترفاً تراثياً" مقابل الدولار، في عملية تحويل واضحة للعمارة من حق اجتماعي إلى أداة لامتصاص السيولة النقدية.
فشل المشروع تقنياً عندما حاول الانتقال من النماذج التجريبية إلى "الإنتاج الكمي" الحكومي. فقد غاب "المعلم الحرفي" وحل محله الإنتاج البيروقراطي لـ "مؤسسة الإسكان العسكري". وكان المقـتل الحقيقي للمشروع هو الانتقال من القرميد المشوي إلى بلوكات الإسمنت (CMU) الرخيصة. حبث أدى هذا التحول إلى تدمير المنطق الحراري للقباب، فبدلاً من أن تعزل الحرارة، تحولت البيوت إلى "أفران" صيفاً مما جعل العيش فيها دون تعديلات مستحيلاً.
يمكن حصر الإخفاقات التقنية في ثلاث نقاط: 1- مشكلات الدفع الجانبي: انهيار الوحدات الأولى نتيجة نقص الخبرة في التعامل مع قوى الدفع، مما أدى لإضافة "ركائز" ضخمة شوّهت التصميم. 2- فشل القوالب المنزلقة: عدم دقة الإنتاج أدى لأسطح متعرجة تطلبت طبقات كثيفة ومكلفة من اللياسة لإخفاء العيوب. 3- الهزيمة أمام الفولاذ: في النهاية، استسلم المهندسون وأعادوا إدخال الفولاذ في "جسور الربط" لتقوية الهياكل، مما أفقد التجربة مبررها الاقتصادي الأصلي.
أظهرت دراسات ميدانية بين عامي 2017 و2019 مفارقة لافتة، فالبيوت التي بُنيت كحلول "رخيصة" هي اليوم الأغلى ثمناً في ضواحي دمشق، ليس لجودة بنائها، بل لمساحات حدائقها الكبيرة.
اضطر الكثيرون لتركيب "أسقف مستعارة" لإخفاء القباب من الداخل، ليس فقط لأسباب جمالية، بل لأن ارتفاعها الكبير جعل تدفئة وتبريد الغرف أمراً مستحيلاً بعد فقدان المزايا الحرارية للطين والحجر. كما قام معظمهم بإغلاق الأفنية الداخلية وتحويلها لغرف معيشة، وبناء طوابق مسطحة فوق القباب، مما حول "الشرقيات" إلى كتل أسمنتية هجينة وقبيحة تخفي خلفها فشل تجربة معمارية لم تكتمل.