آخر الأخبار

جاري التحميل ...

الدفاع عن الأضرحة.. الدفاع عن الحدود: إعادة النظر في التدخل الإيراني في سوريا


- في تشرين الثاني 2025، كشفت إيـران عن تمثال للشاه الساساني شابور الأول في ساحة "الانقلاب" بطهران، وهو مشهد صادم لنظام طالما استند إلى شرعية إسـلامية ثـ،ورية. هذا التحول الرمزي يعكس تغيراً أعمق في الخطاب السياسي، خاصة بعد سلسلة انتكاسات كبرى: ضربات إسـ،رائيـ،لية مباشرة، تدمير بنى عسكرية، تراجع "حـ،زب الله"، وسقوط نظام الأسد. هذه التحولات الميدانية رافقها تحول في اللغة؛ من خطاب "المـ،قاومة" والهوية الشيـ،عـية إلى خطاب قومي يركز على الدولة والحدود.


- لطالما اعتُبرت إيـران نموذجا لدولة تقودها الأيديولوجيا، حيث تُفسَّر سياساتها الخارجية عبر التزامها بالثـ،ورة الإسلامية والتضامن الشـيعي. دعمها لحلفاء إقليميين، وعداؤها للغـرب، ورفضها التسويات السياسية، كلها قُرئت كدليل على أن "الأفكار تُحدد المصالح". لكن التطورات الأخيرة، بما فيها الاحتفاء بالتراث ما قبل الإسلامي، تشير إلى أن هذا الافتراض لم يعد كافيًا لفهم سلوكها.

- التحول في الخطاب لم يكن تدريجيًا بل سريعًا وواضحًا. تم استبدال مفردات "حماية المراقد" و"محور المـ،قاومة" بخطاب يدور حول "الدفاع عن إيـران" و"السيادة الوطنية". لم يعد الحديث عن كربـلاء وآل البـيت هو المهيمن، بل عن التاريخ الإيراني القديم والهوية القومية. هذا يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الأيديولوجيا والسلوك السياسي: هل الأيديولوجيا تحكم الاستراتيجية، أم أنها تتكيف معها؟

- في الحالة السورية، يمكن تتبع هذا التحول بوضوح. في المرحلة الأولى (2012–2015)، صُوّر التدخل الإيراني كواجب ديني لحماية مرقـد السيدة زينب ومواجهة "التكفـيريين". تم تأطير القـ،تلى كـ"شهـداء الدفاع عن الحرم"، وربط الحـرب برمزية عاشـوراء وكربـلاء. هذا الخطاب عزز الشرعية الداخلية وقدم التدخل كامتداد لمهمة الثورة.

- مع تطور الحـرب وتزايد الكلفة الاقتصادية والعسكرية، بدأ الخطاب يتغير. منذ 2016 تقريبًا، أضيفت مفردات الأمن القومي والدفاع الاستباقي. أصبحت سوريا تُقدَّم كعمق استراتيجي، والتدخل كوسيلة لحماية إيـران نفسها. لم يختفِ الخطاب الديني، لكنه تراجع لصالح لغة أكثر براغماتية، دون أن يترافق ذلك مع أي أزمة شرعية أو اعتراض داخلي واضح.

- بعد 2024، ومع سقوط الأسد وتراجع النفوذ الإيراني، اكتمل التحول. اختفى تقريبًا خطاب "حماية المراقد"، وحلّ مكانه خطاب صريح عن الدفاع عن الحدود والمصالح. لم تعد الأيديولوجيا تُستخدم لتبرير التدخل، بل جرى تأطيره بالكامل كضرورة استراتيجية. هذا التبدل السريع، دون اعتراف بالتناقض، يكشف الطابع الأداتي للأيديولوجيا.

- بالتوازي، شهدت إيران تحوّلًا أوسع نحو القومية. تم إحياء رموز ما قبل الإسـلام، مثل تماثيل شابور وآرش ورستم، وتشغيل أناشيد وطنية مثل "أي إيران". الخطاب الرسمي بات يتحدث عن "الحضارة الإيرانية" و"الأمة الصامدة"، بدل اللغة الثـورية الإسـلامية. هذا التحول جاء كرد فعل على أزمة شرعية داخلية وفشل الخطاب القديم في تعبئة المجتمع.

- يرى الكاتب أن هذا المسار يُظهر أن الأهداف الاستراتيجية ظلت ثابتة، بينما تغيّرت اللغة التي تُبررها. أي أن الاستراتيجية لم تتغير، بل الإطار الأيديولوجي الذي يغلفها. وبالتالي، قد لا يكون ما نراه تحولًا حقيقيًا، بل إعادة تموضع تكتيكي يمكن أن ينقلب مجددًا إذا تغيرت الظروف.

- يقترح الكاتب إعادة النظر في الفرضيات التي تعطي الأيديولوجيا دورًا حاسمًا في تفسير سلوك إيـران. فالتجربة السورية، والتحول القومي الأخير، يشيران إلى أن الأيديولوجيا مرنة وقابلة للتبديل، وأن أولوية بقاء النظام تتقدم عليها دائمًا. الثورات.. قد تكرّم ملوكًا إذا اقتضت الضرورة!

* الكاتب: إحسان كاشفي، باحث في العلاقات الدولية في جامعة كوبنهاغن، ويهتم بدراسة السياسة الخارجية الإيرانية ونظرياتها.

* الناشر: موقع POMEPS، وهو منصة أكاديمية متخصصة في تحليل سياسات الشرق الأوسط، ويستضيف أبحاثًا تربط بين النظرية والواقع السياسي في المنطقة.

عن الكاتب

محمد السلوم

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

محمد السلوم - مساحة شخصية